مسلسل “تشيرنوبل” .. واقع أم بروباغاندا إعلامية؟ – فادي صالح

مسلسل “تشيرنوبل” .. واقع أم بروباغاندا إعلامية؟

فادي صالح – موسكو

الملايين حول العالم تابعوا بشغف أحداث المسلسل التلفزيوني “تشيرنوبل” والذي اعتبر انجازا دراميا تاريخيا، لكاتبه كريغ مازن ومخرجه يوهان رينك.

ورغم أن مازن أصر على أنه سيلتزم بالحقائق، إلا أن مشاهدتي لحلقات المسلسل الخمس دفعتني للبحث بشكل أعمق وأوسع عن التفاصيل التاريخية المعروضة في هذا العمل، ليس كوني مهتم بماضي روسيا – أو دول الاتحاد السوفييتي السابق – فحسب، بل وأيضاً لأني ولدت بعد أشهر قليلة من وقوع الكارثة وفي مدينة تبعد حوالي 600 كلم فقط من المدينة التي توصف اليوم بالمنكوبة.

من الناحية البصرية، صور العمل بدقة فائقة تلك الحقبة .. ملابس الجنرالات، تسريحات الشعر، ديكور المنازل، العمارة وهندسة المحطة. وهنا يمكن القول أنه تم القيام بعمل رائع بالفعل لتوضيح أدق التفاصيل، ولكن، وحسب رأيي، استخدم هذا العمل الضخم لإضافة جرعات من “سم” الدعاية الغربية، حيث تم تشويه الحقائق ووضع الأحداث في بقعة قاتمة بعد تجريدها من كل ما هو عظيم وبطولي واستبداله بالفساد والإهمال … وبالتأكيد شبح الطغيان السوفييتي.

بماذا بالغ مسلسل “تشرنوبل” ؟

لنبدأ بحسب تسلسل عرض الأحداث في المسلسل.. وبالضبط من الأكاديمي وكبير المحققين في الكارثة، فاليري ليغاسوف الذي قدمه العمل كعالم سوفييتي أصبح غير قادر على تحمل “ثقل ذنبه” في اخفاء الحقيقة، فقام بالانتحار بعدما أخفى عن السلطات السوفييتية تسجيلات صوتيه تضمنت اعترافاته. لكن، في الواقع، وحسب رواية ابنه وزوجته، لم يخف ليغاسوف أي تسجيلات في حاويات القمامة خوفا من “بطش” جهاز الاستخبارات السوفييتي الكي جي بي، بل في الواقع أرسلها لأخصائيين من زملائه، كما أنه تم العثور في شقته على تسجيل تضمن لقاء صحفيا معه في إحدى وسائل الإعلام السوفييتية، وهذا اللقاء تمت طباعته في وقت لاحق، ويمكن لأي شخص الاطلاع عليه.

العاملون في المحطة، وكما قدمهم المسلسل، بدأوا بالركض بشكل هستيري هربا من الكارثة، لكن حسب الوثائق التاريخية، فإن كل من كان على رأس عمله يومها حاول، وحتى الرمق الأخير، منع انتشار الحريق كي لا يتكرر الحادث في وحدة الطاقة الثالثة. وبينما كان رجال الإطفاء يقومون بإخماد الحريق المندفع في سقف البناء، قام العاملون في المحطة بإخماده من الداخل بسحب الوقود من المولدات وطرد الهيدروجين القابل للانفجار باستخدام النيتروجين، حسب الوثائق المعروضة في متحف تشرنوبل والموجود في العاصمة الأوكرانية كييف.

جسر الموت!

لا أعتقد أن الشعب السوفييتي كان بهذه السذاجة ليقف الكبير والصغير متفرجا على “حريق” أصاب محطة نووية.

وهنا لا بد من ذكر أن نسبة الحاصلين على تعليم عال ومتوسط في الاتحاد السوفييتي في بداية ثمانينيات القرن الماضي تجاوزت الـ 80% (حسب كتاب: سكان الاتحاد السوفيتي الصادر عام 1980)

“جسر الموت” في مدينة بريبيات الأوكرانية قرب محطة تشرنوبل النووية

هذا لا يعني أن جسر الموت غير موجود فعلاً، فحسب موقع chornobyl.com.ua الأوكراني، فإن هناك روايات تقول إن درجة الاشعاع الواصل إلى الجسر بلغت 600 رونتغن، وكل من كان يشاهد الحريق المندلع في المحطة مات بعد فترة قصيرة! لكن الموقع نفسه نفى هذه القصة، مشيراً إلى أن تسمية “جسر الموت” أطلقها الكتاب والصحفيون، كما أنه وحسب مقال نشرته مجلة فوربس الأمريكية، فإن الجسر هو أسطورة محلية عاطفية، ولا توجد أدلة تدعمها.

سائح على “جسر الموت” يقيس درجة الاشعاع في عام 2017


تشبيه “تشرنوبل” بـ “هيروشيما”

أشير في المسلسل الأمريكي إلى أن انفجار تشرنوبل تفوق قوته وخطورته القصف الذري على هيروشيما وناغازاكي، الأمر الذي أشار إليه كثيرون على أنه مجرد بروباغاندا للتخفيف من هول القصف على المدينتين اليابانيتين. ولكن لنتحدث من ناحية علمية، وحسب منظمة السلام الأخضر الأمريكية، لا يمكن المقارنة أبداً بين الحادثتين، على الأقل من ناحية الطرق المختلفة تماما في التعرض للإشعاعات، وكذلك بالمقارنة مع عدد القتلى.

السحابة التي خلفها القصف الذري على مدينة ناغازاكي

تحطم المروحية

سقوط المروحية MI-8 فوق تشيرنوبيل

آدم هيجينبوتام، مؤلف كتاب «منتصف الليل في تشيرنوبل Midnight In Chernobyl»، نفى أن يكون الإشعاع الصادر عن المفاعل المنصهر قد أدى إلى تحطم المروحية، كما ظهر في المسلسل الأمريكي، وبعد البحث في المصادر الروسية تبين أن المروحية تحطمت بالفعل! ولكن ليس بسبب الإشعاع، إنما تحطمت بعد نحو 6 أشهر من تاريخ انفجار تشيرنوبل وذلك بسبب اصطدام إحدى شفرات المروحية بسلسلة كانت متدلية من إحدى رافعات البناء.

الشخصيات الرئيسية .. بين الواقع والمسلسل

الأخطاء التاريخية في المسلسل كثيرة، وكتبت عنها الكثير من وسائل الإعلام الروسية والأوروبية وحتى الأمريكية لذلك لن أقوم بسردها جميعها، ولنتحدث قليلا عن الشخصيات.

أناتولي دياتلوف (على اليمين) والممثل البريطاني بول ريتر الذي لعب دور دياتلوف في “تشرنوبيل” (على اليسار)

مما لا شك فيه أن شخصية أناتولي دياتلوف، كما صورها المسلسل، تركت أثراً سلبياً في نفوس المشاهدين، حيث كان طوال الوقت ينكر وجود خطر حقيقي، ويصرخ على المهندسين ويهدد بطردهم! لكن في الواقع، وحسب مذكرات الأشخاص الذين عملوا مع دياتلوف، والتي نشرها موقع 24tv.ua الأوكراني، فإن أناتولي وصف بالقائد المحترف ولم يكن ليسمح لنفسه أبدًا بمثل هذا الشيء. علاوة على ذلك ، فقد قام بنفسه بالتجول في المفاعل بأكمله للتأكد من أن الوضع تحت السيطرة.

أناتولي توفي عام 1995 متأثراً بأزمة قلبية، عن عمر يناهر 65 عاماً

وهذه إحدى المقابلات التلفزيونية مع دياتلوف:


تشيرنوبل .. وجهة سياحية
تناقلت مواقع عربية عدة، أخباراً حول ارتفاع نسبة السياح إلى منطقة تشرنوبل وذلك بعد عرض المسلسل الذي أنتجته HBO، لكن في الواقع السياحة إلى تشرنوبيل ليست بالشيء الجديد ولا علاقة لها بالعمل الأمريكي، إنما بدأت هذه السياحة منذ العام 2004 وبلغ حينها عدد زوار المنطقة حوالي 870 شخصا، وهذه الجولات السياحية تُنظَّم بصرامة، وعاما بعد عام يتوافد آلاف الأشخاص إلى تلك المنطقة المحظورة. ويمكن القول – من باب التخمين – أن السياحة بالنسبة للمتحدثين بالروسية ازدادت بعد عرض مسلسل الخيال العلمي الروسي والذي أيضاً يحمل اسم تشيرنوبل، ولكنه لم يكن يركز على الحادثة نفسها.

ختام!

على الرغم من أن المسلسل الأمريكي ما يزال يجمع درجات عالية في تصنيفه من قبل المتابعين والنقاد، إلا أن الخبراء الأوكران الذين شاركوا في إجلاء الناس والسيطرة والقضاء على عواقب الإشعاع، قالوا إن ما عرضه المسلسل، لا ينقل الصورة الكاملة أبداً، لكنهم وصفوه بالأقرب إلى الواقع في حال المقارنة مع الأعمال الفنية الغربية الأخرى والتي تتعلق بالحادثة!

%d مدونون معجبون بهذه: