روسيا في أعين الغرب – فادي صالح

روسيا في أعين الغرب

فادي صالح – موسكو

روسيا (آسيا): الحرب الاعلامية ضد روسيا لم تبدأ بالامس، بل بدأت عندما أخذت روسيا الخطوات الاولى تجاه النضال ضد الهيمنة الجيو- سياسية، أي في عهد بطرس الاكبر – قيصر روسيا الخامس.n00098449-b[1]

فمنذ ذلك الحين والدعاية الغربية ترسم روسيا بملامح دموية ورهيبة. وكل هذا جزء من المواجهة الجيو- سياسية التي بدأت منذ اوائل القرن الثامن عشر، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

ان أفضل الصور النمطية لروسيا توضها وسائل الاعلام الغربية عبر الرسومات والكاريكاتورات، والتي، من جهة، تشكل قوالب نمطية لروسيا، ومن جهة أخرى هم أنفسهم يصبحون رهائن لهذه القوالب.

كان من الأجدر للغرب – الذي يدعي الموضوعية – الافتراض بأن روسيا السوفياتية، تخيف الاطفال في أوروبا، مثلاً، وبذلك تقطع علاقاتها معها. أو مثلاً : البلاشفة والشيوعيون، الذين دائماً يعتدون على المقدسات، هم أعداء الايديولوجية.
كل ذلك كان يمكن تقبله على أنه عدم انطباق مع الحضارة الاوروبية، وليس من خلال اظهار الروس على شكل اكلة لحوم البشر.

ولكن لا! وجهات النظر الاوروبية تفضل ان تصور روسيا على انها دولة همجية، قذرة، حقيرة، وسكانها لا يستحقون ان يسموا بالبشر، وحكامها طواغيت اكلي لحوم البشر. هذه المواقف لم تتعلق بتسمية الدولة (روسيا او الاتحاد السوفياتي) ولم تتعلق باسم رأس السلطة، بل شملت الكل في جميع الازمان.

في أواخر القرن الثامن عشر، قام الرسامون الانكليز برسم لوحات كاريكاتورية عن اليكساندر سوفوروف (كونت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وهو قائد عام سابق في الإمبراطورية الروسية) وصوروه بهيئة وحش يلتهم جثث الجنود الفرنسيين بانيابه.

وغني عن القول أنه لا يوجد أي تشابه بين اليكساندر وبين هذا الوحش. وفي كاريكاتور اخر تم تصوير القائد نفسه على أنه يجلب للامبراطورة كاترين الثانية راس الرئيس البولندي على طبق من فضة، بالاضافة الى رؤوس الاطفال والنساء.

في كل مكان وحشية، دماء، ارهاب، وفي الزوايا المقابلة حفنة من الاوروبيين المثيرين للشفقة يجلسون ويتمتمون بخوف: ” الهي خلصنا من الدبب الروسية” والأمثلة كثيرة جداً، القديم منها والحديث.

المثير للاهتمام حقاً هو ان هذه الكاريكاتورات الانكليزية ظهرت عندما كانت بريطانيا حليفة لروسيا في حربها ضد فرنسا بونابرت. والوحوش والقتلة في رسوماتهم تملثوا بالحلفاء وليس بالأعداء.

ان الرمز الاكثر استخداماً من قبل الاوروبيين عن الفظائع الروسية حتى يومنا هذا هو ايفان الرابع – المعروف باسم إيفان الرهيب، أمير موسكو العظيم وقيصر عموم روسيا الأول، والذي أعدم ٤٢٠٠ شخصاً، متناسين معاصرة “الرهيب” للملك “المتحضر” شارل التاسع – ملك فرنسا، والمعروف بالملك في زمن مذبحة بارثولوميو النهارية، والتي ذبح خلالها ما يرقى إلى ٣٠ ألف بروتستانتي فرنسي على يد السلطات الكاثوليكية بأبشع وسائل القتل باوامر من الملك شارل التاسع ووالدته، بالاضافة الى تهجير حوالي ٢٠٠ ألف شخص قصراً . أين هي اوروبا “المستنيرة” لتتذكر ان حكم الاعدام في روسيا قد تم الغاؤه في زمن الملكة ايليزابيث والتي واصلت سياستها كاترين الثانية.

r2[1]

ماذا نقول في الوقت الحالي؟ روسيا البلد الذي لم يعد اشتراكياً، لا علاقة له بالشيوعية، بلد ايديولوجي يظهر مرة اخرى كوحش. مع بوتين او بدونه، وجه روسيا يمثله الغرب بشكل الوحش الذي لا علاقة له بالمجتمع البشري، وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، فان النظرة الى روسيا لم تتغير.

اللافت للنظر حقاً هو حقيقة ان روسيا كدولة وكأمة، كانت ومازالت مستعدة دائماً لمساعدة ودعم كل المحتاجين. فالاتحاد السوفيتي كان مناهضاً لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، وكان ومعسكره كانوا يدعمون العرب في مواجهة اسرائيل، حيث كانوا المصدر الوحيد للسلاح العربي، بالاضافة الى الدعم المباشر لمصر وسوريا والعراق والجزائر وغانا والسودان وغيرها.

وعلى سبيل المثال ما تزال المشاريع الصناعية التي شيدتها مصر بمساعدة الخبراء السوفيات إبان عهد جمال عبد الناصر كالسد العالي ومجمع حلوان للحديد والصلب ومصنع الالومينيوم في نجع حمادي وغيرها من المشاريع التي يبلغ إجمالي عددها نحو مائة مشروع، تشكل حجر الأساس للاقتصاد المصري، وقدمت موسكو مساعدة لا يستهان بها للجزائر التي شرعت بفضل العون السوفيتي في إنشاء وتطوير عدد من الصناعات مثل صناعة الطاقة والتعدين. وشيدت الجزائر عددا من المصانع ومحطة الكهرباء وأنشأت خط أنابيب لنقل الغاز بمساعدة الاتحاد السوفيتي . وفي العراق عمل موفدو الاتحاد السوفيتي في تجهيز حقول النفط في جنوب البلاد ومد خط أنابيب لنقل الغاز وتشييد محطة الكهرباء “يوسفية” وعدد من المشاريع الأخرى.

وفي سورية تبلغ نسبة إسهام المشاريع التي شيدت بمساعدة الاتحاد السوفياتي في إنتاج الكهرباء والنفط نحو ٢٢ المائة ونحو ٢٧ في المائة على التوالي. ويروي ما أقامته سورية من منشآت بمساعدة الاتحاد السوفيتي أكثر من ٧٠ ألف هكتار من الأراضي القاحلة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بعد فترة من السكون عادت روسيا لتعمل على مساعدة العالم النامي أولا من خلال إسقاط ديون البلدان النامية وشطب ديون البلدان الفقيرة. حيث أعفت لبلدان الأخرى من ديون تزيد قيمتها عن ١٠ مليارات دولار، بالاضافة الى غيرها من المساعدات الجمة التي قدمتها على المستوى السياسي والاقتصادي.

هذه هي عقلية، حضارة وميزة الروسي – على استعداد لمساعدة حتى أعداء الأمس.

الجندي و الفلاح الروسي قام باطعام جنود نابليون الذين اوشكلوا على التجمد من البرد، مع انهم كانوا قبل قليل يحاولون قتلهم. ولكن العدو قد هزم واستسلم، لذلك لا مزيد من الكراهية.

الجنود الروس قدموا على حسابهم التغذية والمعونة لبرلين، ولمدن المانية اخرى. الالمان أنفسهم لم يفعلوا ذلك.

بعد هذا الاختلاف الواضح من قبل روسيا ومن موقف شعبها تجاه جيرانهم، أصدقائهم وحتى أعدائهم السابقين يبقى سؤال واحد : متى سيزول خوف الغرب الواضع من روسيا، هذا الخوف الذي يظهرونه على شكل سخريات قبيحة وغير لائقة ؟

 

%d مدونون معجبون بهذه: